أبي منصور الماتريدي
114
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
كقوله : فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ [ المدثر : 48 ] ونحوه . وقوله - عزّ وجل - : يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ : هذا يدل على أن قوله : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ في الأئمة الذين صرفوا الناس عن دين الله ؛ لأنه أخبر أنه يضاعف لهم العذاب . وهو يحتمل وجهين : أحدهما : لما ضلوا هم بأنفسهم ، والآخر : لما صرفوا الناس عن دين الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : و ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ : قالت المعتزلة فيه بوجهين : أحدهما : أنهم كانوا يسمعون ويبصرون ، لكنه قال لا يستطيعون السمع ولا يبصرون استثقالا منهم لذلك ، وهو كما يقول الرجل : ما أستطيع أن انظر إلى فلان ولا أسمع كلامه ، وهو ناظر إليه سامع كلامه ، لكنه يقول ذلك لاستثقاله النظر إليه وسماع كلامه ؛ فعلى ذلك الأول كانوا يسمعون ويبصرون ، لكنهم كانوا يستثقلون السمع والنظر إليهم [ فنفى عنهم ] « 1 » ذلك . والثاني : كانوا لا يستطيعون السمع ، أي : كانوا كأنهم لا يستطيعون السمع ولا النظر ، وهو ما أخبر أنهم صم بكم عمى ، كانوا يتصامون ويتعامون الحق . وأمّا عندنا : الجواب للتأويل الأول أنهم كانوا لا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون السماع سمع الرحمة والنظر إليه بعين الرحمة والقبول ، فهم من ذلك الوجه كانوا لا يستطيعون . والثاني : يحتمل سمع القلب وبصر القلب ، وهم كانوا لا يستطيعون السمع سمع القلب وبصر القلب ؛ كقوله : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [ الحج : 46 ] وهذه الاستطاعة عندنا هي استطاعة الفعل لا استطاعة الأحوال ؛ إذ جوارحهم كانت سليمة صحيحة ؛ فدل أنها الاستطاعة التي بها يكون الفعل لما ذكرنا . وفي حرف ابن مسعود « 2 » - رضي اللّه عنه - : يضاعف لهم العذاب بما كانوا
--> ( 1 ) في أ : فنفاهم . ( 2 ) يجوز في « ما » هذه ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون نافية ، نفى عنهم ذلك لما لم ينتفعوا به ، وإن كانوا ذوي أسماع وأبصار ، أو يكون متعلق السمع والبصر شيئا خاصّا . والثاني : أن تكون مصدرية ، وفيها حينئذ تأويلان : أحدهما : أنها قائمة مقام الظرف ، أي : مدة استطاعتهم ، وتكون « ما » منصوبة ب « يضاعف » ، أي : لا يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والأبصار . والثاني : أنها منصوبة المحل على إسقاط حرف الجر ، كما يحذف من « أن » و « أنّ » أختيها ، وإليه -